مقالات مختارة

سياسية, اقتصادية, اجتماعية

أناشيد عراقية

قيم هذه المقالة
(1 Vote)
Print Friendly, PDF & Email

كنتَ جرحَيْ طفولتي و شبابي
كنتَ حزني، و عبرتي، و اكتئابي
كنتَ لي يا عراقُ مُذْ شعشعَ الضوءُ
بــعيـني، و فــــزَّ فـي أهــــدابي
لــثغــةً، ثــمَّ دَمعـــةً، ثـــمَّ حُــباً
ظـالــماً فـي دفاتــري و كتابي
كـــنتُ أتلوكَ كـــلَّ يوم ٍ نشيـــداً
يعتلي بي على متون الـسحاب ِ
كل ((عش هكـذا)) ترفرفُ بي طيراً
على النخل، و الذُرى، و الرَّوابي
وَ كبرنا، فصار حُبكَ جـــرحــاً
و دماً ظلَّ عالقاً فـي ثيابي !
زمنٌ يـا عراق، كان لـنا منهُ
صــغاراً مــرارة الارتــيــاب
ألَنـا هذه هذه الذُرى ..؟ هذه الشطآن؟
هذي السماءُ ذاتُ القِـباب ِ ؟
هذه الأرض .. ملكُنا نحنُ ؟ .. هذا
النَّخل .. الله لو سألتُ صِحابي !
غيرَ أنّي غنَّيت .. كنّا نغنّي
كان زهوُ العراق ملءَ الإرهابِ
موطني .. موطني .. و كان سؤال ٌ
في الحـنايـا يلوبُ دونَـه جوابِ
و نغنّي حدَّ الدموع ازدهاءاً
ثمَّ نـأوي إلى بيـوتٍ خرابِ !
وَ كبرنا عراق .. لاحتْ مع الأيام
فــي أفـقنــا رؤوس الــحـرابِ
و عرفنا بـأن كلَّ (( بـــلادي ))
ردّدْتها الأفــواه مـحـضُ اغترابِ
(( لحصاها فضلٌ )) و لكن على من
يـــا تــراباً مــا كــان يومــاً ترابي !
و استحال النشيدُ دمعاً، فصمتاً
ثــمَّ كـفّـاً تدقُ في كلَ بــابِ !
هكذا كان يــا عــــراق سُرانا
الدّياجـير، و النجوم و الكَــوابي
و عـويلُ الرياح .. و الضحكةُ الزَّرقاء
نصلٌ يــدبُّ في الأعـقابِ
صِـبْيــةٌ نملأ الدروبَ ارتــعاشـــاً
مثلـما هجْتَ طـائراً فـي ضـبــابِ
و كبرنا .. بـكــلَّ جــرحٍ كــبرنــا
بين كـلَّ الأظــفــار و الأنـيــابِ
و أنــاشـيدُنــا، و موجُ دمــانـــا
رحلتْ بـالـنفيـــر ملءَ الشّــعابِ
أنــا علَّــمـتُ صِبـيَتي أن يفنّوا
كلُّ صوت ٍ في الليل عودُ ثقابِ
لن يحـسّوا بـغُـبنهم مثلما أحسسْت
عذراً يــا لوعــةَ الـــسّـيـابِ
ان أنادي من الخليج سلـيـباً
يــا أخي، يـا ضحـيَّـةَ الاستلابِ
إن (( نحن الشباب )) في صوتِ أولادي
عــزاءٌ لما مضى مـن شـبــابـــي
هم يغـنّـون و العراقُ يعاصــي الـ
ريـح .. يفـتَـضُـها جناحَـيْ عُـقــابِ
فــإذا طاح طـائــحٌ فـكنجم ٍ
ثـاقـب ٍ خــرَّ، لا سراجٍ خــابـي
لا تــهابـي .. فبعـدَ خمسين عامـاً
يَتُـها النفسُ موحشٌ أن تَــهابـي
لا تــهابـي .. أولادنـا لـم يهابوا
أسرَجوا كـلَّ صهوة ٍ فـي الرّحــابِ
أفَــخوفاً أن تــؤسري ؟ .. لن تُنالـي
أفَـحبّـاً أن تـؤجَـري ؟ .. لن تُـثابي !
أحنيناً إلى الذي و اللـــواتــي .. ؟
وَ خَــطَ الشّـيبُ كلَّ تلـك الرّغــابِ
لا تــهابـي، عمراً عطشنا و كـنّـا
نتـأسى حتى بلمعِ السَّـــرابِ !
نحن لم نســأل الحياةَ، و كــنا
مِــلأهـا، أبن بَــذْرُنـا في الترابِ !
لا عتاباً .. مضى زمانُ العــتابِ
و سرى جُـلُّ عمرِنا في الرّكـابِ
لا، و لا حُـبَّ أن يُشارَ إلـينـا
إنَّ أنقـى حضورِنا في الغيـابِ !
قد صغرنا بأساً لى أن تُـحابـي
و كبرنا عمراً على ان نـحابـي !
لا تــهابـي، لم تُبقِ شيئاً سنيُّ الـ
قهرِ حتى من هــذهِ الأعـصابِ
لن تُــصابي، فما الذي ظلَّ فينا
يَـتُـها النفسُ سالماً كي تُـصابي !
لم تعد هذه الضلوعُ مجالاً
لحريقٍ، أو ملجـأً لاضـطرابِ
غير َ أنّـا نبقى إذا نالنا القهرُ
نُـعاصي أعمارَنـا في الوِثابِ
غيرَ أنّـا نبقى و قوسُ الرَّزايــا
مالها غيرُ سهمِنا في الجعابِ !
عذرَ بغـــداد أنَّ صوتي شجيٌ
و لــيـالـيــك ِ مترَعــاتُ الخوابي
عذرَ بغـــداد أننـي لستُ أنسـى
ما بـها من أسى الليـالي و ما بي
عذرَ بغـــداد أنَّنـا جيلُ حُـب
كلُّ أغصانـهِ نَـمَـتْ في العذابِ !

 

 

 

 

( نُشِرَت في جَريدة الثَورة بتاريخ ٢٣/١/١٩٨٢ )

------------------------------------------

القراءات 403 مرة

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.

Image

للتحدث معنـا

عـدد الـزيارات

مجموع الزيارات للمــوقع 88266

حاليا يوجد 28 guests ضيوف على الموقع

Kubik-Rubik Joomla! Extensions