مقالات مختارة

سياسية, اقتصادية, اجتماعية

نسجنا لهم درع الفُراتَين

قيم هذه المقالة
(2 تقييمات)
Print Friendly, PDF & Email

بَلىٰ هٰذهِ أرضي، وَ هذا مَسارُها
وَ هذي سراياها، وَ هذا مَغارُها
وَ هذا الذي ماجَتْ بهِ الأرض سَيلُها
وَ تِلكَ التي لالا بها الافقُ نارُها
وأصواتُها هذي، و تَصهالُ خَيلِها
وَ هذي البروقُ الخاطفاتُ شِفارُها
بلى هذه أرضي فَما بنتُ لَبوَةٍ
سواها مدى التاريخ هذا مَدارُها !
ألا أيُها المستَنفَرون الى الرَّدی
جبالَ حَديدٍ لا يُصَدُ انحدارُها
و أنتم عليها أنفُسٌ قد تلاحَمَتْ
مع النّار حتى جَلَّ فيها انصهارُها

 

فما عادَ يدري خصمُكُم أينَ جمرُها
جحيمُكمو هذي، و أين شرارُها
و ما عادَ يدري، والدّروع، و مَن بها
مزيجٌ من الفولاذ، کیف انشطارُها !
ألا أيُها المستَنفَرون الى الرَّدی
وحسبُ المنايا أنَ أهلي مَزارُها !
و أنّـا مدى التاريخ كُنا وَقودَها
و أنّـا على كَر الليالي مَنارُها
و حسب المنايا كلَّما الأرضُ أعسَرَت
فَلَم تَلدْ الفادين ، أنّـا يَسارُها !
و أنّـا إذا قيسَتْ مَوازينُ أمةٍ
على الموتِ قال الناس : أنتم عیارُها !
وما خفَ لا والله میزانُ بأسِنا
و لا كَبُرَتْ يوماً علينا كبارُها
تظلُ حلوم الأرض موصولةً بنا
بلى جَهلُها فينا، و فينا وَقارُها
إذا الأرضُ مادَتْ، والمروءات زُلزِلَتْ
وَ حَطَّتْ دجى لا يُستَبانُ اعتکارُها
رَكَزْنا بصدرِ الأرض هَوْلَ حضورِنا
فتَندَكّ أو ينجابَ عنها دُوارُها
بلى نحنُ أهل الأرض موصولةٌ بنا
مَلاحمُها، مُـذْ كُورَتْ، و انتصارُها
و هَاهم و ألفٌ قد مَضَينَ كأنَّهم
الى الآن معقودٌ عليهم غبارُها !
ألا أيُها المستَنفَرون الى الرَّدی
وَ كلُ دماءِ الناس جَفَّتْ بحارها
حَمَلتُم دِياتِ الأرضِ طراً و إنما
كبارُ الدَّواهي بالكبار انزجارُها
يقول لنا الرّاهونَ في الذلَّ : صَبرَكم !
وَ نَفسُ الكريم الحُرَّ كيفَ اصطبارُها
وكيف تنامُ العينُ و الحَيفُ حيفُها
وأعداؤها الأعداء، و الثأرُ ثارها
فَقُلْ لبني ساسان ألفٌ تَصَرَّمَت
و ميراثُكُم منها شَجاها وعارُها
وَ ها هُم أولاء الآن أحفادُ رستمٍ
و أحفادُ سعدٍ فانظروا ما بدارُها
ألم تستقم كالأمسِ فينا شموسُها ؟
ألم يَنتَثرْ کالأمسِ منكم نثارُها ؟
أما كان فينا عزمُها واقتدارها ؟
أما كان فيكم ذعرُها وفرارُها ؟
يجوسُ ببيتي مَن لبيتَي حُرمَةٌ
عليه، وأدنى حرمة ِ الناسِ جارُها
حَمَلناكمو حَمْلَ اللديغِ سمومهُ
و قلنا تخومُ الأرض يبقى جوارُها
أفي كلَّ ألفٍ تحبَلون بعقرب
و يلفظُها لَفظاً إلينا وِجارُها !
و قد غَبَرَتْ ألفٌ و ألفٌ و لم تَزَلْ
نفوسُكُمو بالحقد يغلي صَغارُها
بلی نَحنُ كُفءُ الغيظ و الحقدِ و اللظى
وَ خَيلُ أنوشروان فينا عِثارُها
صَدَعْنا ذُراها يومَ مولدِ أحمَدٍ
و في وَهَجِ الفاروق کان انهيارُها
بلی، و انظروا وجهَ المُحَمَّرةِ التي
جَلَونا، وَ عَبّادان كيفَ حِصارُها
و والله لو شِئنا بيوم ٍو ليلةٍ
و أسهَلُ من عصرِ الهَشيم ِ اعتصارُها
لَخُضنا بخيلٍ من حديدٍ دروبَها
و أصبحَ من بيتٍ لبيتٍ حِوارُها !
ألا أيُها المستَنفَرون الى الرَّدی
نفوساً لهذا اليومِ كانَ ادّخارُها
تبارَكَت الأرض التي تحرثونها
لَقَد فَزَّ حتى رملُها و حجارُها
وَ لاذَتْ بكم، كلُ الدُروع تَشَبَّثتْ
بها فرطَ ما عانَتْ و طالَ انتظارُها
وأقحمتُمو فيها على الموتِ زهوَكم
و في لحظةٍ أضحى خضيباً عِذارُها
محاريثُها نارٌ، وأمطارُها دَمٌ
و أجسادُ أغلى الواهبين بذارها
لها الله بعد الجَدبِ والهَجرِ والظَّما
بأيّ الضَّحايا سوف تزهو ثمارُها !
لكَ المجدُ من ألف ٍو أعلامُ أمَّتي
ترفُ بأرض مُستباحٍ ذِمارُها
إذا شهقَتْ دارَت عليها رحی الرَّدى
فنامَتْ . شَواطيها، وأغفى فنارُها
الى أن حسبنا أنَ قحطانَ لم يكنْ
سوی قصَةٍ يُرضي هَوانا ادكارُها !
الى أن حسبنا بابلاً مَحضَ قلعةٍ
عَلَتْ زمناً، لكنْ تَهاوی جدارُها !
و صرنا إذا ما قيل: أينَ عَظيمُكُم ؟
نُقَلّبُ اوراقاً تَناهي اصفرارُها !
و أيأسَنا أعداؤنا من ذواتِنا
الى أن تناهى في النفوسِ انكسارُها
فما عادَ يدري سائرٌ ما طريقُهُ
و لا فرقةٌ من اهلِنا ما شعارُها
و كان ضميرُ الأرضِ يلظي بجوفها
و كانت قدورُ المجد يعلو بخارُها
وما هي إلا صرخةٌ : واعروبَتا
و كفٌ من الأحواز يدمی سوارُها !
و «لبَّيكِ ».. دَوّى ملءَ بغداد رَجعُها
و زَلزَلَ كلَّ المَشرقَينِ انفجارُها !
بلی ، من هنا يا أمَتي يبدأ العَنا
فإنَ خيولَ المجدِ صعبٌ مُغارُها !
بلی من هنا يا أمتي يبدأ الرّضا
رضا أنفُسِ ما قرّ يوماً قرارُها!
رأيتُ إليهم يزحفون بِسَيلِهم
و تشرين مأساة يكادُ احتضارُها
وكانت عروسُ الشامِ تَنزو مَروعةً
يدافعُ أيدي الأرذلين خمارُها
و هم يَنهبونَ البيدَ نهباً، دروعُهُم
يكادُ يهزُ الرّاسياتِ جؤارُها
يُسائلُهم إذ يمضغُ الأرضَ درعُهُم :
طريقُ دمشق الشام كيف اختصارُها !
وما بلَغوا مرمی دمشق، و أشرفوا
على السّاح حتى صار ليلاً نهارُها !
فكانوا حضورَ الله والحقَّ و الرّدى
وَ جاَّقُ موفورٌ نقيٌ إزارُها !
وهم هم ، مدى ستّينَ عاماً تقلَّبَتْ
على الناسِ .. شتی ، دامیاتٍ جِرارُها !
فكانوا بها سيفاً، و كانوا بها سَنىّ
و صورةَ عزّ كلُ قلبٍ إطارُها !
بلی یا لهيبَ القادسيّاتِ كلُها
و يا سُحُباً للمجد جَل انهمارُها
و يا جُندَ مَن حتی المَقاديرُ جُندُهُ
ففي يدِهِ إقبالُها و انحسارُها
تصولُ بنو شَيبان للمجدِ كلُها
ولكنَّ زهوَ الخيلِ يبقي ضرارُها !
ونذكرُ كلَّ العُربِ زهواً وإنما
كنايتُها قحطانُها أو نزارُها !

 

ألا يا مَهَب المجدِ من حيثُ أقبلَتْ
نَسائمُ أهلي ، شِيحُها وَ عَرارُها
روائح ذاكَ العِز فيكَ طيوبُها
وَ تلك الرّمالُ السُمر فيكَ نِجارُها
و يا وارثاً عن خير أهلي خَلاقَهم
وأعظمُها أنْ دارَةُ العِز دارُها
وَ أنكَ نفسٌ ناصع جَيَشانُها
صريحٌ تَدانيها ، صريحٌ نِفارُها
قليلٌ على كلَّ الخطوب شكاتُها
عزیزٌ رضاها، و الأعَزُ ازورارُها
وأنت وأيمُ اللهِ نَبْعٌ و مَعقلٌ
لكل عُرى أهلي فكيفَ انهدارُها ؟
بلى يا مَهيبَ السَيف والرأي والخطی
و يا جابراً ما يستحيل انجبارُها
و يا واسعَ الآفاقِ والرأيِ وَ الهوى
و يا غافراً ما لا يُطاقُ اغتفارُها

 

و والله لو كانت لدى الفرسِ فطنةٌ
لَرَدَّكَ عنها أنْ أتاكَ اعتذارُها
و أنْ أسلَمَتْ بالحَق للحَق أمرَها
وَ ردّتْ جَهالاتِ الصّغارِ كبارُها
و لكنّها صالَتْ و جالَتْ و أرعدَتْ
و كَشَّر َ عن ظفرٍ ونابٍ سُعارُها
فَيا عاليَ الرّايات آنَ انتشارُها
و يا فارسَ الأهوالِ حانَ اتزارُها
و يا زاهداً بالشرّ رفْقاً وَ منعَك
أتَتْكَ بهِ تَسعى حَثيثاً صغارُها !
أتاك به مَن لو درى من خَصيمُهُ
لَوَدّ لو ان الأرض حانَ انفطارُها !

 

يقول لنا الرّاهُونَ في الذُلّ : صَبرَكُم
وَ نفسُ الكريم الحُرّ كيف اصطبارُها ؟
أتَينا لها كُرهاً على عُنفواننِا
و ما ساقنا والله إلا اضطرارُها
و يبقى اخو الأمجاد مَن يَستثيرُها
وَ ليسَ الذي يحني قَفاهُ انتظارها !

 

لقد جُلتمو واللهِ للحق أمةٌ
سيبقى مدى التاريخ حيا أوارُها !

 

 

 

(نُشِرَت في جريدة الثورة بتاريخ ۱۹۸۱/۱/۷)

------------------------------------------

القراءات 394 مرة

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.

Image

للتحدث معنـا

عـدد الـزيارات

مجموع الزيارات للمــوقع 88266

حاليا يوجد 28 guests ضيوف على الموقع

Kubik-Rubik Joomla! Extensions