مقالات مختارة

سياسية, اقتصادية, اجتماعية

يا أكرم الناس صبراً

قيم هذه المقالة
(1 Vote)
Print Friendly, PDF & Email

 فَــرطُ السّكوتِ علىٰ فَـرْطِ الأذىٰ سَقَمُ
قَـد يَسكُتُ الجُـرحُ، لٰكنْ يَنطِقُ الأَلَـمُ !
و مَـعْـقِـلُ الظُـلم ِ، ايــاً كــانَ صاحِبُـهُ
لا بُــدَّ يَـــومــاً علـىٰ أهـليــهِ يَـنهَــدِمُ !
فَـقُـلْ لِـكُـلَّ عُتاةِ الأرضِ .. مَن غَشَموا
وَ مَن عَتَوا قَبْلَكُم في الارضِ .. أينَ هُمُ ؟!
ألَــم تُـزَلْـزَل صُـروحُ البَـغي أجـمَعُهـا
بــهِـم كَـما زُلـزِلَـتْ زلــزالَـهــا إرَمُ ؟
و ما الّـذي صارَ هولاكو سِوىٰ شَبَحٍ ؟؟
في حينِ بغــداد مِــلْءَ العَينِ تَبتَسِمُ !

* * *

فَــرطُ السّكوتِ علىٰ فَـرْطِ الأذىٰ سَقَمُ
قَد يَسكتِ العَقلُ لكنْ تَصرُخُ الشيَمُ !
و كيفَ يَصمُتُ مَنْ طِفلٌ يَموتُ علىٰ
راحـــاتِـــهِ، وَ سَنى عَـيْنَـيهِ يَـتهِــمُ
بـــأنـــهُ يَنطفي ظُـلْما، فَــلَو مَلَكوا
لــهُ العِلاجَ لما ألـــوى بِــــهِ العَـدَمُ !
وَ كيف يَـصمُتُ مَن يَــدري بِــأن لَـهُ
فـي كـلَّ مَـوتٍ يَـداً للّـــهِ تَـحتَـكِـمُ
لأنــهُ كُـلَّـما امـتَـدَّتْ بِـوَصْـفَـتِـهــا
يَــدٌ إلــيـهِ، بِمَحْضِ الصَّمتِ يَعتَصِمُ !
وَ هَـزّةِ الرأسِ .. تُدمي قَلْبَ صاحِبها
كــــأنـهُ هــوَ بـــالتَـقصيرِ مُــتَّـهَـمُ
لَــقَـد رأيــتُ بِـعَيني فــي عُيونِ أخْ
مِنكُم، مروءَةَ كــلَّ الأرضِ تَــرتَـسِمُ
وَ في يَـدَيـهِ دَوا طفلٍ .. أبوهُ بَكىٰ
لِـــظَـنِـهِ أنَّ إنـقــاذَ ابــنِـهِ حُـلُـمُ !

* * *

فَــرطُ السّكوتِ علىٰ فَـرْطِ الأذىٰ سَقَمُ
وَ أوجَعُ الصَّمتِ مـــا إيـغالُــهُ وَرَمُ
وَ قَـد صَبَرنا، وَ لَـــزَّ الصَّبرُ أضلُعَنا
حَتىٰ تَـفَـطـرَ فينا اللّحْمُ و الأدَمُ !
وَ ظَلّتِ الرُّوحُ مِثلَ الرُّمحِ مُشْرَعَة
وَ جَمرُها في مَهَب الرّيحِ يَضْطَرِمُ
ما نالَ مِنها سِوىٰ إيقاد جَـذْوَتِـها
حِصارُهُم .. وَ بَلىٰ .. ضاقَتْ بِها اللُّجُمُ
لِـحدّ أنْ زُلزِلَتْ فيها شَكائِـمُـها
وَ كَيفَ روحُ العراقيين تَـنْشَـكِـم ؟!
لكنها طامَنَتْ مِن ضيقِـها أَمَـلاً
أنْ يُـنجِد الصَبرُ، لا أنْ يُـنجِـدَ السأمُ !
كُنا نُغالِـبُ .. مازِلنا نُغالِـبُ أنْ
يَطغىٰ عَلَينا نَـفاد الصَّبرِ و البَـرَمُ
وَ أقرَبُ النَّاسِ مِنا يَنظُرون لَــنـا
شَماتَـة .. تَفضَحُ الأبصارُ ما كَتَموا
لٰكنهُم في الخَـفايا مِن نفوسِهِمو
يَـدرونَ أينَ هبوبُ الـرّيحِ يَنحَـطِم
لا بَـأسَ .. يَبقى شِراعُ الخَير ِمُنفَرِداً
وَ حَـولَـهُ كلُ مَـوجِ الشَّـرَّ يَـلْتَـطِـمُ
يبقىٰ صِراعُـهُـما للأرضِ أَجْمَـعِها
دَرسـاً، لِـتَندَمَ إذْ لا يَـنفَـعُ النَّـدَم ُ

* * *

يا أكـرَمَ الأرضِ صَبراً .. كل غائِـلَةٍ
لا بُــدَّ يَـوماً بِما تَخشاهُ تَـرتَطِـمُ
وَ كـــل جَـورٍ لَـــهُ حَــدّ يَـجيشُ بِهِ
إذا تَـعَدّاهُ لا تَـرسو بِــهِ قَــدَمُ
وَ يــا اعز بِــلادِ الله .. أفـرُخُـنا
يَـنمونَ فيكَ، وَ لَـو أن الرّضاعَ دَمُ !
لأنهُـم لَـنْ يَـروا ماءً كَمائِـك، لَــو
مَسَّ الشّفاهَ، فَـلَـيسَتْ عَـنهُ تَـنْفَـطِمُ !
و انتُمو .. يا سُعَـاةَ الخَيرِ في وَطَـني
وَ حاملي جُـرحِـهِ، مـا اشتَـدَّتْ الأزَمُ
وَ يــا مُـقيمينَ في مِحراب مِحـنَتِـهِ
مـا ثَـلَموا حُـبَّـهُ يَـوماً، ولا انثَلَموا
وَ لا تَبَرَّأ اهلْوهم، علىٰ ضَــنَـكِ
مِن جِلدِهِم .. لا .. ولا خانَتهُم القِيَمُ
بِكُم سَيَبْقىٰ غُبارُ الطَّلعِ يَـدفَـع عَن
هذا التُراب .. و يبقى الله .. و الرَّحِمُ
وَ تَستَعيدُ فجاجُ الأرضِ زَهوَتَـها
وَ تَستضيءُ كماضي، عَـهدِها الأُمَـمُ
وَ بِـأسمِكُم يَـدفَـعُ النَّـهرانِ مَوجَهُما
زَهـواً، وَ تَرفـعُ مِن هاماتِـها القِـمَـمُ
وَ بِـأسمِكُـم، و العِراقيين أجمَعِهِم
يَـبقىٰ يُـرَفرِفُ كِـبرْاً ذٰلِـكَ العَـلَم ُ
وَ كُـلَّما مَرَّت الـذِكرىٰ غَـداً، فَـلَكُم
فيها سَنَى، وَ لَـكُم في قُـدسِها حَـرَمُ !
وَ كُـلَّما جاءَ صَيف، وَ النَّخيلُ دَنَـتْ
أعذاقُـه، فَـلَكُم في تَـمرِها ذِمَـمُ
الله يا وَطَـني ! .. ما قُلتُ يـا وَطَني
إلا وَ أحسَسْتُ أنَ الكَـونَ يَـنتَظِمُ
وَ أنَ كلَّ مَسَام الكَونِ يَـنصِتُ لي
الماءُ، و النَّارُ، و الإنوارُ، و الظُلَم ُ
وَ الرَّيحُ و الرَّعْدُ، ثُمَ الرَّيحُ وَ الدّيَـمُ
وَ السَّهلُ، وَ الرَّملُ، و الوديانُ، و الأَكَمُ
أَحِـسُها كُـلَما نادَيْتُ : يـا وَطَني
تَهمي : عراقُ .. إلىٰ أنْ يَـتْعَبَ القَـلَمُ !

* * *

وَ أنتُموا .. يا أعزَّ النَّاسِ .. يا بَشَرَاً
هَـواهُمو بِشِغافِ القَلْبِ يَـلْتَحِـمُ
يا خَيرَ أولادِ خَـيرِ النّاسِ .. يا شَرَفاً
أسمىٰ المَعايير فيهِ المَجدُ وَ الكَرَم ُ
تَبقىٰ بِـكُم كل أرضِ الضَّادِ وارِفَـةً
ظِـلالُــها .. مُشْرَئِـباً سَيْـلُها العَرِمُ
وَ يَملكُ العُرْبُ، كلُّ العُرْب، قامَتَهم
حتىٰ الَّذينَ امّحَوا مِن فَـرْطِ ما ظُلِمُوا

 

* * *

يَبقىٰ العراقُ عَظيمَ الزَّهوِ، باسِلَهُ
كل هذي الجِراحِ السُّودِ تَـلْتَـئِمُ
وَ سَوفَ يَبقىٰ العراقيون أجمَعُهُم
شُم الجِباهِ إلىٰ أن تُبعَثَ الرّمَمُ !

 

( اُلقيت في مؤتمر الصيادلة العرب الذي انعقد ببغداد ١٩٩٢/٢/٢٤
و نُشِرَت في جريدة الجمهورية ٢٥ شباط ١٩٩٢ )

------------------------------------------

القراءات 458 مرة

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.

Image

للتحدث معنـا

عـدد الـزيارات

مجموع الزيارات للمــوقع 88265

حاليا يوجد 27 guests ضيوف على الموقع

Kubik-Rubik Joomla! Extensions