مقالات مختارة

سياسية, اقتصادية, اجتماعية

بل ذرةً من سياج الروح ما نسَفوا !

قيم هذه المقالة
(2 تقييمات)
Print Friendly, PDF & Email

للشّـاهِـدينَ عَـليكَ الآن أن يَـقِفوا
و أن يَـرَوا أيُ جُـرْفٍ نحـوَهُ جُـرِفوا
ليُـبصِــروا أيَ طُــوفـانٍ، بــأي دَم ٍ
يَـسعىٰ، و أي طَـعينٍ بينَهم يَـقِفُ !
كـأنَـما جُـرحُـهُ، مِن فَـرْطِ هَـيـبَـتـهِ
جُـرحُ القيامَةِ عَـنـهُ الغَيـبُ يَنكشفُ

* * *
ها أنتَ ذا، مثلَما العَـنقاءُ تَنهَضُ مِن
رَمـــادِهـا .. بَـينما أكــبـادُهُـم تَجِـفُ
مِن بَعْدِ كلَ الذي غالُــوا، نَهَضتَ لَهم
وَ لَـم تَـزَلْ رُكَـبُ الأيَـــام ِ تَــرتَجِــفُ !
هُـولَ الجَـناحَـينِ، مَـشدوداً بخَفْقِهِما
مَحَاجرُ الكوِن، خَطْفَ البَرق تَنْخَطِفُ !
فَـهُـم يَـلمُـونَ مِـن أطــرافِـهِم حَــذراً
و أنتَ تَعلوا، وَ تَهوي دونَـكَ السُجُفُ !
للـشّـاهِـدينَ عَــليكَ الآن أن يَـقِـفوا
لِـيَعرِفُوا .. وَ صِـغارٌ هُـم لِــيَعْتَـرِفوا
لـكنْ لِـكَي يُـبصِـروا جذْعَ النَخيلِ هُنا
كيفَ استقامَ .. وَ كيفَ استُـنْـفِرَ السَّعَفُ !
وَ كــيفَ شـابَـكَـتِ الأنـهارُ أنفُـسَها
وَ كــيفَ ضَـجَ عَـلَيها أهـلُها الأُنُـفُ
حَتّىٰ تَقَوَّسَتِ الأضلاعُ أجـمَـعُها
مَـعَابـراً و جُسوراً فَـوقَـها دَلَـفوا !
لِـيَشْـهَدُوا أنَ تَهـديداتِـهِم طَـرَفٌ
وَ أنَّ روحَ التَحـدّي عِـنـــدَنا طَرَفُ !
وَ قَـد تَـشَابَـكَـتا، فَلْـيُـحْـصِ نـاظِرُهُم
ماذا رَصَـفْنا، وَ ماذا أهلُــه رَصَفــوا
إن يَنْـسِفوا مـا استَطاعوا مِن مَنازِلِنا
فَــذَرَةً مِن سِـياجِ الرُّوحِ ما نَسَفوا !
لَـقَد بَنيـنا بيوتـاً مِلْءَ أنـفُسِنـــا
وَ بينَ أضـلاعِنــا الـسَّـاحـات َ وَ الغُرَفُ !
مِن عَهدِ سومرَ و البُنيانُ في دَمِنا
و للحضاراتِ في أرواحِـنا كَــنَـفُ
وَ هُم لَهُم إرثُهم، من قاتلينَ وَ مِن
لصوص ِ خيلٍ .. صَـغـَارٌ تَحـتَهُ رَسَفُوا
وَ ظَلَّ إحساسُـهُم بالـدُونِ يُـرْمِضُهِم
فَـهُم كما الذّيب، مَسـعُورون مُـذْ عُـرِفُوا
يُـقَـتّـلْونَ لِـيمحـوا كـــلَّ ذاكِــرَة ٍ
وَ يَـهـدِمونَ لَـعَـلَ الأرضَ تَـختَلِفُ !
ناسِينَ أنَّ لَـدىٰ الإنسانِ، في دَمِـهِ
ميراثَ أهليِهِ حتىٰ تُرفَعَ الصُحُفُ !
* * *
هل كـل مـا هَدَّموا تَـعلُوا مَنـائِرُهُ
وَ تَستَـقيمُ بِـهِ الأسوارُ وَ الشُّـرَفُ
كــــأنما لِـنبـوخــذنُـصَّــرٍ رِئَـــةٌ
للـيَوم ِ فينـا علىٰ الـبُنيـان تَعتَكِفُ !
في حينِ سُمْعَةُ أمــريكــا مُـهَدَّمَـةٌ
تَـرنـو إلـيها عـيــونٌ مِـلْؤهـا قَـرَفُ !
* * *
للشّاهِـدينَ عَـلَيكَ الآن أنْ يَقِفوا
لِـيُنصِفـوا نَـفْسَهم يوماً، إذا نَصَفوا
بـأنَـهُــم أكَــلــوا أطــفالَــنا جُــثَثــاً
جَـفتْ مِـنَ الـجُــوعِ حتىٰ كُلُها حَشَفُ!
و أنَـهـم قَتَلـوا أطفـالـنا نُـطَـفَــاً
حتىٰ علىٰ المَوت ِ مـا فاتَتْهُم النُطَفُ !
و أنهُم مَثلـــوا حتىٰ بِـمَـيتهم
لِـحَـدَّ أنْ قَـطعَتْـهُ النّارُ و السُرَفُ !
و العالَمُ الحُـرُ يَرنُو نَـحوَ فِعْلَتِـهِم
مـا لاحَ يَـومـاً علىٰ سِيمـائِهِ الأسَفُ
بَـل التَشَـفي، و ألوانُ الشّماتةِ في
عيونِــهِ .. ثم الاستخفافُ وَ الصلَفُ !
حتىٰ لَـيَسألَ أمـا كَيـفَ أفْـرُخُها
تَسَاقَطوا .. وَ هوَ يَدري أَنهم قُـصِفوا
* * *
كَـم لاحَ لي، و رُجــومُ الـمَوتِ مُطْبقَةٌ
كأن بَيتي بِلَمْحِ الـعَــينِ يَنْـخَــسِفُ
وَ كَم تَـخَيلْتُ أولادي تُمـزقُــهُم
أنيابُـهُم، و علىٰ الأشداقِ مـا نَـزَفُوا
فَـأنتَخي بالـعِراقيين .. يا وَطَنــي
أولادُكُم، بهم الأوغادُ قَـدْ ثَقِفُـوا
فَـأدْرِكوهُم .. وَ تَـثنينـي مُـكابَـرَتي
و اسمُ الـعِــراق .. وَ تَبقىٰ أدْمُعي تَكِف!
يــا مَـوتَ أولادِنــا، و اللهُ لا جَـزَعاً
لكـنْ إبـاءً نِــياط ُ القَلــبِ تَنْـشَعِفُ
و ذاكَ أنَّ ذِئـــابَ الأرض ِ أجمعَها
صارَتْ بِلَحم ِ الـعِــراقيين تَلْتَحِفُ
صـارَتْ خَنازيــرُ أمـريكا مُـبرأةً
مِن كلَّ رِجْسٍ .. وَ صِرْنا نَحْنُ مَنْ زَهِفُوا
و أصبَحَ العَرَبُ الأعرابُ أهـلَ تُقَىٰ
وَ مُستَقيمينَ، بَيْنا نَحْنُ نَـنْحَرِفُ !
وَ ماتَ أطفالُـنا، و الذَنْبُ ذَنْبُهمو
لأنَهم مِن بِـلادٍ باسمِها هَـتَـفُوا
و أنَ آباءَهُم قـالوا لِـقاتِـلِهُم :
لا .. ثمَ لَم يَرجِعُوا عَنها، ولا أَسِفُوا !
وَ ها هيَ الأرض دارَتْ دَورَةً فإذا
بِكلَّ ما خَـبّأَ الطَّاغوتُ يَنكَشِفُ !

* * *
الآنَ يـا صانِـعَ التَّاريخِ، تُلْهِمُهُ
وَ تَستَقي مِنهُ .. مِنكَ الآن َ أغتَرِفُ
يا هائِلَ الماءِ .. يا أصفىٰ مَوارِدِهِ
وَ مِنكَ كلُ عِطاشِ الأرضِ تَرتَشِفُ
الآن أستَرجِعُ الأحداثَ .. كُنتَ بِها
مؤشَّراً، و هيَ تَجري مِثلَما تَصِفُ
الآن أستَنطِقُ الليـلَ الـ نَطَقْتَ بـِهِ
حرفاً فحَرفاً، وَ أصغي، وَ هوَ يَنتَصِفُ
وَ مَوجُ صَوتِكَ يَأتي مِـن مَـنابعِـهِ
مُستوحِشاً .. وَالدُنا أكبادُها تَجِفُ
الغَادِرون .. وَ غامَ الصَّوت .. قد غَدَرُوا
لَقَد أغارُوا لُصوصاً، مِثْلَمـا عُرِفُوا
قُطّاعَ طُرْقٍ .. لَئيمات سَرائرُهُم
فَكلُ زَرْعٍ لِـطيَّاراتِـهِم هَدَفُ

* * *
وَ قُلْتَ .. قُلْتَ كَلاماً مُوجَعاً، أنِفاً
وَ لَم يَكنْ، رُغْمَ عُمْقِ الجُرحِ، يَعتَسِفُ
قُلْتَ الحَضاراتُ تَبني الروح .. تجعلها
كَـقِطعَةِ الماس، لا يَنْتابُها التَلَفُ
وَ ما أصابَكُمُو، لو أنَهم رُزِئوا
بِبَعضهِ، ما استَقَامَتْ عِندَهُم كَتِفُ
و قُلْتَ .. قُلْتَ .. وَ كانَ الليـلُ مُشتَعِلاً
كانَتْ صَواريخُهُم مِلْءَ الفَضَا تَزِفُ
وَ هُمْ يَحومون حَولَ الدّورِ أجمَعِها
حتىٰ لَقَد رِيعَت الدُّنيا بِما نَسَفوا

* * *
وَ قُلْتَ يأتي زمانٌ تُشرِقونَ بِـهِ
وَ شَمسُهُم مُنْذُ هذا اليَوم تَنكَسِفُ
فَصَابِروا و اصبِروا، فالله ناصِرُكُم
لأنكُم أمـــــــةٌ لله تَـــزْدَلِــــفُ

* * *
إنـــا نُغالِبُ طُـــوفانـاً .. سَـنَـعبِرُهُ
حتىٰ وَ لو كانَ لا ضَوءٌ، ولا جُرُفُ
سَنُوقِدُ الرّوحَ نِبراساً، وَ نَرصفُ مِن
جذوعِنا ضِفَة في جُرفِها نَقِفُ !
وَ سَوفَ نَصدُقُكَ القَولَ الـ نَطَقْتَ بِهِ :
أدري بأهلي العراقيين ما ضَعُفُوا

 نُشِرَت في جَريدة الجُمهورية في ١٨ شباط ١٩٩٢

------------------------------------------

القراءات 495 مرة

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.

Image

للتحدث معنـا

عـدد الـزيارات

مجموع الزيارات للمــوقع 88266

حاليا يوجد 28 guests ضيوف على الموقع

Kubik-Rubik Joomla! Extensions