هي الذمة القصوى
لنا مـركبٌ وعـرٌ، و للـنـاس مـركـبُ
معـاييـر .. شَـرقنا عـليها، و غـربوا
فـمنها تَـغاضينا، و منها جموحُـنا
و منهـا تَـنادينـا اذا النـاسُ نَـكَّـبوا
و تـشميرنـا للهـول .. لا نستشيرُهُ
و لكن نجيءُ الهولَ من حيثُ يغضبُ
و انــا لَـقومٌ لا كما شاء موتُنا
نموتُ .. و لكن مثلما نحن نرغبُ
نرى العمرَ كأساً خيرُنا من يُديرُها
على الناس .. لا يدرون من أين تُجلَبُ
و يسترُ كِبراً جرحَهُ عن عيونهم
لكيلا يَـروا شريانَـهُ كيف يشخبُ
نرى الموتَ كأساً .. خيرُنا من يروزُها
و يمسكُها من عروَتَيها و يشربُ
و أما إذا ما خَبْطَ عشواء جاءهُ
فهذا مُثابٌ .. إنما ذاك أثـوَبُ
و أنا نرى في المرءِ برقاً يميزُهُ
فهذا أخو غيثٍ، و هذاك خُلبُ
و نحنُ لنا برقٌ .. يجيء محملاً
مياهاً .. و ألا فهو موتٌ مصوبُ
و نتبعُـهُ .. ان كان غيثاً و إن ردى
و نرجعُ في الحالَـين و الأرض اخصَبُ
لنا مركبٌ وعرٌ، و للناس مركبُ
معايير .. شَرقنا عليها، و غربوا !
الا أيهذا الباذخُ المجدَ، يا هوى
نَـذَرنا له الاعمار .. يُعطي و ينهبُ
تبعناهُ اطفالاً، و ما زلتُ خَلْفَهُ
صغيراً .. و إن اولادُنا فيه شَيبوا
اغنيك و الخمسون تجتاز شوطَها
كأني بخمسٍ لا بخمسين أدأبُ
كأني أرىٰ عُمْقَ السماواتِ بيرقاً
اصيحُ بهِ : ((عِشْ هكذا)) و هو يلعبُ
ترفرفُ روحي .. موطني .. موطني .. ارىٰ
دمي حولهُ . في الجو يطفو، و يرسبُ
و يطفو .. و أصحو .. و العراقُ مدجَـجُ
و سبعةَ اعوام ٍ سراياهُ تلهَبُ !
ألا ايُهذا الباذخُ المجد .. يا هوى
نذرنا له الاعمار، و العمر غيهبُ
اذا لم نُضئهُ الآن إذ انت لاهب ٌ
فَمَن .. و متىٰ تاريخُنا فيك يُكتَبُ؟
هو العمر، أما جذوةٌ و اشتعالُها
و إلا فأحطابٌ الى القبر تُحطَبُ
اَجِرْ يا عراقَ الكِبر قنديلَ شَيبَتي
فمن جمر هذي الروح تأتيك كوكبُ
يضيءُ على سبعٍ و خمسين دارة
و آخرُ سبعٍ فيه منهنَّ أهيَبُ
فهنَّ اشتعالُ الروح، و الشعر، و الهوىٰ
و هنَّ جوازُ العمرِ أيانَ يذهبُ !
لكَ المجد .. هل فجرٌ سواك فيُرقَبُ؟
و هل منبعُ إلاك في الروح يُسكَبُ ؟
و هل مثلَ هذا الزهو ِ زهوٌ فيُرتَجى؟
و هل مثلَ هذا الحمد ِ حمدٌ فيُكسَبُ ؟
و هل نحنُ إلا غيمةٌ فيكَ فيك امطرت ؟
و عذراً إذا كانت دماء تَصبّبُ
نَدبتَهمو .. جاءوا عُجالىٰ، فلم يرَوا
سوى دمِهم ماءٌ .. ففاضوا .. و أسهَبوا
و راحوا، و في العين اعتذارٌ لأرضهم
كأنهموا، عفواً، على الموتِ أذنبوا !
و في الملأ الأعلى اضاءت مجرَّةٌ
و هم مثلَ حَبّ النَّجم ِ فيها تكوكبوا !
ألا لا تُناشِدْ ايرَ أهلي على الظما
فقد جفَ ماء الناس مُذ فاضَ مأربُ !
ألا لا تصِح إلا عراق اذا دَجَتْ
و قُل : يا عراقيّون .. تأتيك تثغبُ
سيوفٌ ولا اغماد .. خيل ُ مخيفةٌ
ولا سرجَ .. لكنْ فوقها الموتُ يهذِبُ
يجيء العراقيون .. أخوانُ أختهم
و كلٌ بهِ م ِ الغيظ سيفٌ مُشَطبُ
نِعِما حميتُم يا بني أمَ عرضَكم
نَعما رميتُم و الرَّعاديدُ غُيبُ
نِعما شَرَعتُم بأسَكم يومَ أغمدوا
نِعِمَا رفعتُم رأسَكم يومَ حنّبوا
و أنتم ايمُ الله إخوانُ نخوةٍ
لكم غيرةٌ حتىٰ مع الموتِ تُرهَبُ !
تعاليت يا بيتَ المروءاتِ و النّدىٰ
و يا واهباً للهولِ ما ليس يوهَبُ
و يا ضامداً جرحَ الحضاراتِ كلّها
بأولادِهِ .. و الضّوءُ بالضّوء يُعصَبُ
لِسَبعٍ شَبَكْتَ الأرضَ حتىٰ تقطعَتْ
نياطُ بني ساسان .. جاشوا .. و أجلَبوا
فلم يستطيعوا أن يفكوا حصارها
و هيهات .. نَيلُ الشمسِ من ذاك اقربُ
و هاهم ابابيلُ العــراقِ انظروا لهم
و سَبْع مهولاتٌ عليهنَّ أسرَبوا
كأنهمو لم يركبوا صَهَواتها
سوى اليوم .. كلٌ منه نجمٌ مذنَبُ
يدور مدارَ الضّوء أيانَ أظلَموا
و يهوي عليهم نَيزكاً حيث عنكَبوا
يريهم بأنَ القادمات جحيمُها
من الماضيات السَّبعِ أدمىٰ و أرهبُ
و ها رُجُمُ الفولاذ عالٍ هديرُها
ترى تحته ضلعَ الثرىٰ و هو يَنحبُ
لسبعـةِ اعـوام ٍ على سُـرُفـاتهـا
عظامُ بني ساسان تُطوىٰ و تُسحَبُ
لسبعَـة اعــوام ٍ، و هـذا زئـيرُها
و هم دمنةٌ تحت المحاريث تُكرَبُ
حدودُكَ هذي يا عراق .. و شاخصٌ
لسبعةِ اعوام ٍ عليها سيُنصبُ
سواترهُم هذي، و هذي حدودُهم
لسبعَةِ اعوام ٍ عليهنَ أحرَبوا
فما جازَها وغدٌ .. بلىٰ، جازَ جثَةً
و جازَ أسيراً .. أو أتىٰ و هو مُرعَبُ
فما كادَ حتى مادت الأرضُ تحتَهُ
و اوصد اهلُ الدار باباً .. و ضَهْضَبوا
فلم يدرِ، الطوفان يزحفُ نحوَهُ
جدارُ الرَّدىٰ هل فيه للحي مهرَبُ ؟!
أقِمْ لغتي يا سيّدي لو رأيتَها
بها للعراقيّين حرفٌ مُعَتَبُ
و حاشا، وقد كوّنتَ لي أبجديَتي
فصارت بها الأمثالُ في الزهر تُضرَبُ
صدوق .. سِنانٌ حرفُها .. مستقرةٌ
مُعبأةٌ للهولِ تُبنىٰ، و تعُرَبُ
على نظرَتَي عينيك عطفاً و رهبة
و أنتَ لها وحيٌ من الوحي أوهَبُ
ألَسْتَ الذي سبعاً تقودُ انتصارَها
و عزمُك من فولاذها الصلْب أصلبُ ؟
ألَسْتَ الذي سبعاً شكَمْت على الوغىٰ
أعـنـة كـلَّ الـخيـل لا تتـشعـبُ ؟
ألَسْتَ الذي لم يلتقِ الناسُ في الرَّدىٰ
على واحدِ إلاك، و الريحُ قُلْبُ ؟
و لكنْ أرسان المروءة كلّها
بكيفَكَ زُمَّتْ، و هي هوجاءُ، وُثبُ
طواعيةٌ ترخي الشموسُ قيادَها
لفردٍ، و لا يلويه جيشٌ مدرَبُ !
طواعيةٌ نهوىٰ .. طواعيةٌ نفي
طواعيةٌ نأتيكَ و الموتُ يصخبُ
لأنكَ من هذي البلاد صميمُها
لأنكَ فينا الخالُ، و العمُ، و الأبُ
و أنت أخو هذي السّواترِ كلُها
و أصحابُها من أنجب الناسِ أنجبُ !
اقم لغتي يا سيّدي لو قُلامَةٌ
بها لحسابِ ما تُخَطُ و تُشطَبُ
و والله ما عودتَنا أن نجيئها
موارَبَــةً، بل نُصْبَ عينيك تُكتَبُ
فكيف وَ عَينا ضيغمٍ ترصدانها
يجيءُ بها حرفُ هدانُ مُضُبَبُ؟
و عينيك إني حين بأسمكَ انتخي
أحس بحرفي و هو بالنَجمِ يلعبُ !
أحسُ جناحَ الحرف يمسحُ ريشَهُ
على هُدُب الجوزاء، و الحرفُ أزغَبُ!
و لو مطرٌ م ِالنار، و الوحيُ دونَـــهُ
بلَغْتُ .. دمي يجري، و صدري مثقَبُ
* * *
يظلُ العراقيون طوفانَ نخوةٍ
لهم عَمَدٌ عالٍ ، و بيتٌ مطنَبُ
بيوتُهم مثل الدواوين رحبةٌ
و أخلاقُهم و الله منهنَّ أرحبُ
على الهولِ لم ينسَوا كريمَ نجارهم
و في الهولِ يمتازُ الحسامُ المذرَبُ
و تبقىٰ بلادُ الرافدين عزيزةٌ
محارمُها حتى عن النَّجمِ تُحجَبُ
هي الذمَةُ القصوىٰ .. هي الزَهوُ و الهَوىٰ
هي التَعَبُ الحلوُ الذي ليس يتعَبُ !
بلادي .. بلادي .. يا هَوايَ الذي لَهُ
لَهُ وحدَهُ في القلبِ أهلٌ و مَرحَبُ
نحبُ كثيراً .. نشتهي كلَ فتنةٍ
و حينَ تمسُ القلبَ عيناك يُسلْبُ
أجل، كل ليلىٰ في العــراق قريبةٌ
الى النفس .. لكنَ العــراقَ المحبَبُ
فداكِ أوَيلادي، و نفسي، و إخوَتي
و أهلي .. وما آتي .. و ما أتجنَبُ
حملتُكِ يوماً حملَ جرحٍ بأضلُعي
و أشفقتُ حتىٰ قيل : رَزّاقُ أحدَبُ !
و ها أنذا عُمقَ السَّماواتِ قامتي
و منكِ علىٰ صدري وسامٌ مخضَبُ !
------------------------------------------
اترك تعليقا
تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.