مقالات مختارة

سياسية, اقتصادية, اجتماعية

صوت الأرض وموال الشجن

قيم هذه المقالة
(0 تقييمات)
Print Friendly, PDF & Email
الكتاب : الاعمدة
المؤلف : د . طه جزاع
 

على هامش مشاركتي في الدورة 15 لمعرض أربيل الدولي للكتاب، وفي جلسة تلفزيونية مباشرة لحساب قناة « One News وان نيوز» كان الحوار مع الزميل عبد السميع عزاوي السامرائي يجري حول الفلسفة والصحافة وذكريات البدايات الأولى، لكنه باغتني بسؤال عن الأغنية العراقية، وعن المطربين الذين أحب الاستماع لهم، فأجبت من دون تردد : ياس خضر. لكنه أدهشني بتوافق مزاجه مع مزاجي، وقد حسبتُ ذلك في البداية مجاملة منه، لكنه أوضح لي بأنه ليس معجبًا بهذا المطرب الكبير فحسب، بل سبق أن أنجز عنه كتابًا بعنوان « صوت الأرض».
بدأ إحساسي المبكر بصوت ياس خضر، منذ العام 1975، عندما ذهبتْ بنا ذات يوم وكنا طلبة في كلية الآداب، سيارة من نوع « كوستر» إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون في الصالحية، والغرض هو مشاركة طلبة من قسمين مختلفين من أقسام الكلية في مسابقة يؤدي فيها أحد المطربين أغنية مشهورة من أغانيه، ثم يقوم بتبديل بعض كلماتها أثناء الغناء، وعلى الطلبة أن يتباروا في معرفة هذه الكلمات والكلمات الحقيقية للأغنية. بالطبع لم أعد أتذكر أسم هذا البرنامج، ولا أي من الفريقين فاز بالمسابقة، لكن صورة ذلك المطرب بوسامته وأناقته وبدلته البيضاء وهو يغني وسط أنغام الفرقة الموسيقية، بقيت حية في الذاكرة إلى يومنا هذا، فقد أصابتنا حالة من الإبهار جعلتنا ننسى المسابقة ونتماهى مع ذلك الصوت الشجي الذي غرز عميقاً في جذور نفوسنا الشابة التي كانت تردد لازمة الأغنية عند انتهاء كل مقطع. لم يكن ذلك المطرب سوى ياس خضر الذي لمع نجمه مع نهاية الستينيات من القرن الماضي، ولم تكن تلك الأغنية سوى «اعزاز» التي أصبحت أغنية العاشقين والمحبين المُعَذبين قبل أقل من عامين على حضورنا لذلك البرنامج، بل أصبحت أغنية الأعوام كلها بكلماتها الشجية التي كتبها زامل سعيد فتاح، ولحنها طالب القره غولي. قد يكون لهذه الذكرى التي اتاحت لنا فرصة الاستماع الحي للأغنية داخل استوديو مغلق، والحضور مع المطرب بلحمه ودمه وفرقته الموسيقية، أثر في الاعجاب المبكر بصوت وأغنيات ياس خضر» صوت الأرض»، لكنه لم يكن اعجاباً عابراً على أية حال، لأنه مازال الصوت الذي يفجر مكامن الشجن فينا وقد اشتعل الرأس شيبًا.
كتاب «صوت الأرض» يمثل جهداً توثيقياً للمؤلف تجاه المطرب الذي أحبه، فهو يعرض لمسيرته ومراحل تنوعه الغنائي مع تعدد الملحنين الكبار الذين استوعبوا المديات الواسعة لحنجرته، ابتداءً من الأغنية الأولى «الهدل» بكلماتها ولحنها المسموعين والتي حصلت على اعجاب مستمعي إذاعة « القوات المسلحة» وطلباتهم المتكررة لإعادة بثها، وهي التي مهدت له طريق الإذاعة والتلفزيون والنجاح والشهرة الكاسحة، ومروراً بأغانيه الشهيرة «الريل وحمد» و»اعزاز» و «يا حسافة» و» كالولي « و» تايبين» التي تعاقب على تلحينها ملحنين كبار من وزن محمد جواد أموري وطالب القره غولي ومحمد عبد المحسن وفاروق هلال ونامق أديب وغيرهم. وفي كتابه «خمسون عاماً في الصحافة» يذكر الصحفي الرائد زيد الحلي أنه يقف وراء وصول كاسيت هذه الأغنية إلى الإذاعة والضابط الفنان راسم الجميلي بعد عدة محاولات من المطرب لم يكتب لها النجاح منذ تسجيلها الأول بداية الستينيات، واتخذ الحلي قراراً بإذاعة الأغنية في برنامجه « بدون عنوان» بعد أن رُفضت من برنامج « أغنيات بأصوات المستمعين»، وقد تم ذلك بعد إضافة فقرة « من صاحب هذا الصوت؟» ابتكرها الحلي من أجل بث « الهدل « وبالتعاون مع مخرج البرنامج علي الأنصاري، لينطلق بعدها صوت الأرض مكتسحًا جيلًا من أصوات المطربين الكبار الذين تركوا بصماتهم على مسار الأغنية واللحن والتراث الموسيقي العراقي، وبقيت أغنياتهم خالدة على مر الأجيال. وحول بداياته الأولى فإن مؤلف « صوت الأرض» يشير إلى « الشاعر إبراهيم الشيخ حسون الذي كتب لياس معظم الأبوذيات التي غناها في بداية حياته الفنية، وكتب له أغنية أبو زركة التي لحنها بابداع الملحن الكبير محمد جواد أموري في عام 1963 وظهرت في عام 1968 «، وكان المطرب قد تعرف على جميل بشير عام 1960 الذي اعجب بصوته، وسافر إلى اليونان لإصدار أول أسطوانة تضم بعضًا من أغانيه الشجية.
مضى على تلك الذكرى مع ياس خضر وأغنية « اعزاز» 48 عامًا، وطيلة اشتغالي بالصحافة لا أذكر أنني شاهدته وجهًا لوجه، وفي السنوات الأخيرة تعهد أحد أصدقائي المقربين بترتيب زيارة له في منزله، وعندما حان وقت الزيارة كنتُ للأسف في سفر خارج الوطن. غير أن الزمن لم يشأ أن يحرمني من لقاءه قبل يومين خلال حفل تكريم مؤسسة خُطى لمجموعة من الصحفيين والفنانين والأدباء الرواد، وكان ياس خضر في مقدمتهم، وعندما تصافحنا شعرت كأنني أصافح ذلك المطرب الوسيم الأنيق الذي شاهدته عن قرب حين كنتُ طالبًا جامعيًا في مقتبل العمر، وكان عمره يومذاك 37 عامًا. ويبقى ياس خضر، صوت الأرض ورائحتها ومسكها، ويبقى الحزن الساكن فينا متيقظًا هائجًا كلما مسته همسة من ذلك الصوت الشجي.

القراءات 283 مرة

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.

Image

للتحدث معنـا

عـدد الـزيارات

مجموع الزيارات للمــوقع 88270

حاليا يوجد 28 guests ضيوف على الموقع

Kubik-Rubik Joomla! Extensions