مقالات مختارة

سياسية, اقتصادية, اجتماعية

روّعتم الموت

قيم هذه المقالة
(3 تقييمات)
Print Friendly, PDF & Email
يمضي الزمان، و تبقى هذهِ العِبَرُ
يبقى التحدي، و يبقى الله و البشرُ
و الحبُّ، و البغضُ، و الأوجاعُ بينهما
و الضوءُ، و الظلُّ، و الأنواء، و المطرُ
و الأرض، ما أخرجوا منها، وما بذروا
و الخـالـدان عليها الشمـسُ و الـقمرُ
يمضي الزمان، و تبقى بعد موكبه :
هنا أقــاموا، هنا سـادوا، هنا عثروا !
يمضي الزمان، تبقى بعده الذَّكَرُ
ما هدَّموا، ما بنَوا، ما قالت السَّـيَرُ
و مجدُنا أنَنا نمضي و من دمنا
يبـقى عـلى كل شـبرٍ في الثرى أثَـرُ
و أننا عُمرَ هذي الأرض نتركُ في
أديــمها مَـيسماً لا تَـملـك الـغِـيَــرُ
ولا العوادي له محواً، و أنَّ لـنـا
مجداً تشيبُ الليالي و هو يزدهـرُ !
يـــا واهبينَ مَسارَ الأرضِ قِبلتَـهُ
كــأنهم فـي دَياجـي ليلها غُــرَرُ !
يـــا مالئين يدَ الدنيا فما قَبضَتْ
إلا عـليــهم إذا مـــا نــابَـها قَــدَرُ !
كأنَما هم عنانُ الدهر يشكُـمُــهُ
متى يشاء، و يــرخـيــــهِ فـينتشرُ !
كأنما النوء منهم، و الرياحُ لهم
تجري، وياسمهم الأمطارُ تنهمرُ !
كأنما الضوءُ كل الضوءِ في يدهم
و الليــل، ما اذِنـوا للَيـل، يعتكرُ !
ما اعسَرَتْ يوماً الدنيا و هِيضَ بها
إلا رأيتَهمــو فـي عســرها يَسِـرو !
أولاءِ مَن وهبوا الدنيا حضارتَها
و من بـأوَلِ حرف ٍ فـوقها سَطَـروا
أولاءِ أهلي، و مِن أبياتهم شهقَتْ
كل النبوات، فانظرْ كيف نفتخرُ !
و هؤلاء الذين استنفروا دمَهم
كـأنـــما هـم إلـى أعراسِهم نفَــروا
السَابقون هبوبَ النار ما عصفَتْ
و الـراكضـون إليها حـيثُ تنفجــرُ
الواقفون عماليقاً تُحيط ُ بهم
خيلُ المنايا، ولا وِرْدٌ، ولا صَدَرُ
إلا مخاضُ الرَدى، ألقَوا مكارمَهم
مـعابـراً المنايـا فـوقهـا عَـبَــروا !
أولاءِ أهلي، و إخــواني، و مـن ورثوا
أن يركبوا نحو آلاف و هم نَفَـرُ !
يـــا واهـبين معاييـر الــرجـالِ دَمـــاً
تحيا به بعدَ ما ألوى بها الصَّغَرُ
ألفــاً تَعرَّتْ فَـلَم تُستــرْ مــروءتُــها
وها بكم كل ذاك العُــري يـأتزرُ
يـا خيرَ ما أنبتتْ أرضٌ، و ما وهبَتْ
أمٌ، و مـا نُـزَّلــتْ في وصفهِ السُوَرُ
لـمّـا يــزلْ زحفكم تـزهو بيـارقُــهُ
مــا قــادَهُ حــيدرٌ أو قــادَهُ عُـمَــرُ
مـقــاتلاً فـي سَبيـل الله مُنتصراً
و لــم يـزل في سبيل الله ينتصــرُ
سَل الخفاجّيةَ الجُنَّ الجنونُ بها
كيف انبـرَيتُـم لها و الموت ينتظرُ
و قُـل لگيلان كيف الموتُ صالَ بها
حتى كأنَ الـذي يـغشاهُ ينتـحـــرُ
و كيف اقحمَ كسرى في مجامرِها
حتى الصَّغار، ولم يُذعَرْ بما ذُعِروا
مَن لـم يـزلْ أثَــرُ الأثداءِ في فـمهِ
يبكي الحليبُ عليها و هـوَ يَــختَمِرُ
ما هَـزهُ و حـروفُ اللهِ فـي فـمهِ
أنَ الصغارَ لغيرِ الموت قد ذُخِروا
مــا هَـزَهُ أنهم لـحمٌ أضالــعُهم
و أنَهم لجحيم غيرها غـيرهـا نُذِروا
ألقى بهم و قلوبُ الموت واجفةٌ
و الــرَجماتُ كَلَمـع الـبرقِ تشتـجرُ
سيلٌ من النار في سيلٍ يسابقهُ
مـن الـحَديــد، تعــرّى بينَـهُ البَشَرُ
حتى وَقَفتُم لـهُ، كانت صدوركمو
سِـتْـــرَ الحَديد عليها الموتُ يَنكَسِرُ
صَــفّا جبال، فـأنتم، ثمَ خلفكمو
تـلك الـشَـواهـقُ لـولا أنهــا حَجــــرُ
قاتلتمو و عيونُ اللهِ شاخصة ٌ
إليكـمو، و قلـــــوبُ الناسِ تنفطرُ
و يشهد الله لا خوفاً ولا جزعاً
فنحن منكم بمجد اللّٰــه نَعتَـمِـــرُ
قاتلتمو مثلما قاتلتمو أبــداً
كأنَ أجدادكـم في يومكم حضروا
كأنَ كل العراق اختار موضعَهُ
حيثُ استقمتُم، و حيثُ استفحلَ الخطرُ
و لوَحَتْ زُمرٌ بالوَيل و انقلبت
عقاربـاً، و انـزوَتْ مـذعـورةً زُمَرُ
و قيلَ سوف، و من يدري، و رُبتَما
و قد يكون..و زاغَ السَمعُ و البَصَرُ
و أنتموا، وَ مَهيلُ النارِ حولكمو
تكــاد منه الجبالُ الصُمُ تنـصهرُ
ما زُعزعَتْ قدمٌ منكم، ولا رجفَتْ
عـلى بنادقهــا كـف ٌ ولا طُـفُــــرُ
رَوَعتم الموتَ حتى لم يدَعْ دمُكم
منـافذاً يَــلِجُ الدخّــان و الشَّرَرُ
منها، و ضاقتْ رئاتُ الموت، و اختنقتْ
لفرطِ ما كان عُتُقُ الموت يُعتَصرُ
قَلَبتُم الأرض عاليها أسافِلَها
و قلتمو لمواليـد الغـدِ انتظِــروا
إنـا نمهدُ هذي الأرض، رُبَّتَما
يغفو هنا واحدٌ منكم و يَـدَّثــرُ !
يـا رايةٌ في مَهَب المجد عاليةً
قولي لهم : هكذا الأبطال تنتصرُ !
و أنت يا عنفوان المجد، يا رجلاً
في كل يوم ٍ الى هَــولٍ لـه سَفَـــرُ
لا ضاق صدراً، ولا غصَتْ عزائمـه
جفناً، ولا نال من إقدامهِ السَّهَرُ
يضيفُ صبراً لصبر الناس كلّهم ِ
و لستُ أدري بـأي الـصَبرِ يـأتزرُ
يـــا واحـداً ما رأينـا واحداً ابــداً
هموم خمسين جيلاً فيهِ تُختَصَرُ!
ما بين رؤيتهِ كـالصَقر منتفضاً
ساحة الموت و النيران تَـستَعِــرُ
و بين رؤيته عيناهُ من دَعَـــةٍ
نـهرٌ على أوجــه الأطفال يـنتثرُ
ما بين رؤيتهِ في الحالتين معاً
إلا مسافةُ ما يستوعبُ الـبَصَرُ !
يـا أيُها الـلا أسمي..كل مكرمةٍ
بأسم، فماذا يُسمى جَمعُها الغضِرُ ؟

*
حتى تضيقَ بنا الدنيا فنجفأها
انا على العرب لا نُبقي ولا نذرُ!
في كل الف ٍ نُذِرنا أن نقاتلَ عن
حضارة الأرض لا يغتالها التَترُ
كأنما حمّلتنا الأرضُ ديتَها
انا نصونُ الذي آباؤنا ابتكروا
يمضي الزمان، و تبقى هذه العِبَرُ
تبقى المعالمُ، و الأخبارُ ، والصوَرُ
تبقى شواهدُ مَن خطتْ دماؤهمو
مجد العراق عليها الموتُ يعتذرُ!
بَينا تظلُ وجوهٌ فوق سحنَتِها
حتى الوقاحة ُ فرط َ الذل تُحتَضَرُ!
و نلتقي بعدَ عمرٍ طال أو قَصرَتْ
أيامُــهُ، و تساوي بيـننـا الـحُفَـرُ
لكنْ تظلُ على أولادنــا ابــــداً
علامةُ ابنِ الذي..فالصَّمت..فالخَبَرُ!

 نُشِرَت في جَريدة الثَورة بتاريخ ١٩٨١/١/٥

--------------------------------

القراءات 833 مرة
المزيد في هذه الفئة: « الحرب يا مهيب الغيظ يا وطني »

1 تعليق

  • Comment Link بتار الإثنين, 08 تشرين2/نوفمبر 2021 17:49 posted by بتار

    مرحباً أخ رسلي..
    ما سبب حذف بيت الشعر (الا اذا قلت يا صدام عندئذٍ... اكون سميتها جمعا واعتذر) من هذه القصيدة؟
    شكراً جزيلاً

    Report

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.

Image

للتحدث معنـا

عـدد الـزيارات

مجموع الزيارات للمــوقع 149115

حاليا يوجد 133 guests ضيوف على الموقع

Kubik-Rubik Joomla! Extensions