مقالات مختارة

سياسية, اقتصادية, اجتماعية

الفن وتشرين.. من قدحَ شرارة الاخر؟

قيم هذه المقالة
(1 Vote)
Print Friendly, PDF & Email

بالمجمل، لا يمكن وضع ثورة تشرين العراقية في خانة الثورة السياسية، حيث ان لمحات التغيير السياسي فيها بسيطة مقارنة بالابعاد الثقافية والفنية التي ملأت الشباب وعاشت بهم ولازالت تعيش وتثمر الى الان، عن طريق منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، او فعاليات على شكل رصيد ثقافي او اجتماعي تُظهر إمكانية عالية لنشوء مجتمع مدني يستطيع اعادة انتاج نفسه بمعزل عن السلطة. مجتمع يجتمع فيه الغرباء على إلقاء قيمة للجمال، في دلو الحياة المليئة بالقيم القبيحة.

في مثل هذا اليوم، قبل سنتين، خرج عراقيون كانوا غارقين في الحياة اليومية، الى ساحة التحرير، وقد أعيد اكتشافها فجأة، أصبحت الساحة في وقتها مركز كل الغزوات الممكنة، أعلن الناس الذين قضوا حيواتهم في مساطر الذل وبسطيات الهوان أنهم لم يعودوا يستطيعون العيش بالطريقة التي كانوا يحيون بها.
طفرة هائلة من الحس الاجتماعي والتلاحم اجتاحت أولئك الذين كانوا ينظرون إلى أنفسهم من قبل على أنهم دُمى معزولة وعاجزة يتحكم بها نظام لا يستطيعون السيطرة عليه ولا فهمه.
لا احب الحديث في هذا المقال عن "تشرين وبداياتها" فقد اُشبعَت ارشفة وتأريخاً، والحديث في المقدمات مضى، وعرف الناس ماذا يعني حكم الشيعة في العراق، وكيف انقلب المنبرُ على العمامة، والعطرُ على اصحاب الياقات البيض.. ما انظر اليه بعد سنتان من هذه الظاهرة التي لن تتكرر، هو الفن في حياة هؤلاء الصغار.. الفن بوصفه اداة للتواصل، وعملية ديناميكية لارادة البشر في العيش بالطريقة التي يودون عيشها.

منذ انطلاق ثورة تشرين، وحتى تجريف الخيم بالقوة، كان الفعل الاول الذي اشرع به هؤلاء الصغار هو التواصل. كانت اللحظة الاولى بمثابة حفلة تعارف غير نمطية، لم تحدث في اسواقهم او جامعاتهم او شوارعهم وبيوتهم، حدثت في ساحة التحرير عندما وقفوا هناك، وهتفوا هتافاً واحداً: الشعب يريد اسقاط النظام! لحظة تعارف غريبة شبيهة بلحظة الضحك داخل السينما، حيث يخرج الفرد فيها من حكم المجموع الى حكم القيمة/الفكرة. وبعد حفلة التعارف التي اقاموها في مسرح التحرير والطيران والجملة العصبية ووزارة النقل وساحة الحمزة على انغام القناص والرصاص الحي، قرروا دمج الفن بالحياة اليومية.

ماخلقته حفلات التعارف في الايام العشر الاولى من تشرين، آلة عزف جديدة لم يألفها جيل الشباب المتعارفين حديثاً، امتلكت هذه الالة القدرة على توحيد المُفرّق، وتوجيه المُشتت نحو غاية اكبر. كان الثأر لدم الصغار هو الدافع الاول، ودمج الفن والتواصل هو الدافع الثاني لشبابٍ كانوا قد الفوا العزلة القسرية على طيلة 17 عاماً من وقتهم. اتحدت الشعارات التي رسموها على الجدران، والتي حملت كثيرًا من روح السيريالية مع الواقع. جربوا التواصل البشري كما لم يفعلوا من قبل، في الشوارع توقف المئات والآلاف وتحدثوا إلى بعضهم بعضًا، ]وكأنهم يفعلون ذلك لأول مرة[، وبعد نزول الطلبة مع الشباب، يأتي الدافع الثالث للثورة ضد واقع السلطة، منطق: سنفعلها «هنا، والآن»، سنحرّك المشهد وننهي هذا النظام.

طلبوا المستحيل ربما، لكنه المستحيل الذي لا يمكن إرجاؤه إلى لحظة أخرى، المستحيل الذي إما أن يفرض نفسه الآن، وإما أن يضيع إلى الأبد. ففي الوقت الذي عَطَّلَ فيه النظام «البعثوشيعي» كل منافع الحياة الحديثة التي صدحوا بالإتيان بها وتبجحوا بكونهم خالقوها بعد 2003، لصالح مزيد من الذل والارهاب والبؤس والقلق، وفي الوقت الذي وقف فيه سلاح الدولة من القوات النظامية -الشرطة الاتحادية وقوات مكافحة الشغب-، وشبه النظامية –ميليشيات الحشد الشعبي- الى جانب بشاعة الحياة اليومية، كان الطلاب، النساء، الرجال، التيار الوطني الجديد، يطالبون بـ«الجمال في الشارع»، وهذا المطلب لم يكن شعاراً، بل تحول واقعاً يطمح لإنهاء دورة الحياة المسلوبة.

لبضعة أسابيع، حولت ثورة تشرين الحديث الممل عن عمل الأشياء إلى الاستمتاع بالأشياء، قفز الناس وقتها من المخيال التمثيلي إلى الواقعي المفعم باللذة الشاعرية الذي كان مختبئًا خلف استعراضات المنابر الدينية عن الثورة، شبابٌ قدموا ثورة الحسين بصورة فنية "صورة الشباب العاري الذي يحمل صورة الحسين"، وقسم آخر اراد ان يسرد قصة ما، فرسمها على جدران نفق التحرير، وفتاةٌ فهمت الفن على انه تسلق جسر الجمهورية لتنقذ شاباً عَلِقَ في كمّاشة افراد مكافحة الشغب. وهناك من القى قصيدة تحت وابلٍ من الرصاص. انها اللحظة التي تشاهد فيها الناس، كل الناس، يرون الحياة كقصيدة واحدة، ذات كلمات واحدة، وما يميزها هو فهمها المختلف عند دخولها رؤوس المستعمين.

«ايها الصغار، لا تصمتوا، تكلموا، قاوموا الكبار في العالم كله».
الشاعر الياباني «سانكيشي توجي».
اعتقد بأن قوة هذه الاسطر، جعلتها تنتقل بطريقة ما من اقصى الشرق المأهول بالبشر، الى صغارٍ عُزّل يسكنون العراق، قرروا ان يقاوموا النظام العراقي بكل ما اوتوا من صراخ وفن وثورة.

القراءات 412 مرة

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.

Image

للتحدث معنـا

عـدد الـزيارات

مجموع الزيارات للمــوقع 88266

حاليا يوجد 31 guests ضيوف على الموقع

Kubik-Rubik Joomla! Extensions