المقامة الكونكريتية
حدّثنا (عوانة ابن الأشعث)، وهو رجلٌ يعرفُ مايقول، قال:
كنتُ قد نزلتُ ببغداد، فبها يحلو المراحُ والرقاد، أبتغي سفراً لي إلى الشام، حيث يحلو المقام، ويطيبُ المدام.
فلما بركَت ناقتي في أرضٍ رحبة، وقلصتُها في مساحةٍ سَحبة، ونويت المنام والهجوع، قبل أن تهم الشمسُ بالطلوع، إذا باثنين وجوههما كوجوه الخمائن*، ولحاياهما كأحمال الضغائن، جاءا إلي حتى منامي، واستقرا عند موضعي ومقامي، قال الأول:
أما علمتَ بأن هذه الرحبة مكانٌ لمشروع؟ وموضعٌ لمولٍ ذي فروع؟ فمن أنامكَ هنا؟ وجاء بكَ عند بابِنا؟
وقال الثاني: أما علمتَ بأن هذه الرحبة، ستحلُ محلها صَبة، ويُبنى عليها مُجمع، مبانيه على الشكل المربع؟
قلت: ولكنها أرضُ ماءٍ وزروع، وأشجارٍ ذاتِ فروع، فلما قتلُ الأشجار؟ أمن أجل الدينارِ والدولار؟
قالا: فامضِ، فإن خلفة البناءِ آت، وستحضرُ الآليات، من خباطاتٍ ورافعات.
يقولُ عوانة، فحزمتُ متاعي، وطقطقتُ مفاصلي وأضلاعي، وركبتُ ناقتي أبغي أرضاً فسيحة، بلا مبانٍ كونكريتيةٍ قبيحة، حتى نزلتُ على بستانٍ على دجلة، وانشرحت لنفسي رائحة الطين والوحلة، ففرشتُ بها أبتغي المنام، وقد تعبَت من السَيرِ العِظام، فلما فعلتْ، جائني اثنان، لهما جهرة عبيد ايران، وقالا لي:
أوما علمتَ بأن هذا البستان، هو مرقدٌ قديم، لرجلٍ عقيم، له من الوِلْد عشرا، ومن البناتِ عشرا، وقد ولدهُم ببركاته، وأنجبهم بكراماته؟
قلت: فما تريدان؟
قالا: إمض من موضعك هذا، فإن الخلفة آت، ليصبنّ الصَبّة، ويبنِيَنّ المنارةَ والقُبة.
يقول: فركبتُ راحلَتي، وأخذتُ أمتعتي، وسرتُ في تلك الليلةِ فما وجدت ببغدادَ أرضٌ لشَجر، ولم أرَ فيها غير الكونكريتِ والحجر..
وبينما أنا على هذه الحال، أقلبُ الليلَ والنجومَ للآصال، رأيتُ رجلاً في حلَك الظلام، وقد تلثم بأغمق اللثام، وكان قد أمسك أربعةَ رجالٍ وراح يضربهم بعصاه، فلما اقتربت، كانوا الإثنين أصحابَ المجمع، والاثنينِ أصحابَ المرقد، فكان يضربهم ويقول:
وملأتمو بغدادَ حتى أنها..
غاباتُ صُمٍ كلُها طابوقُ..
لم يبقَ فيها نبتةٌ أو عُشبةٌ..
إلا سمنتٌ فوقَها ملصوقُ..
فاستعجبتُ أمره، وشدتني جرأته، ولما اقتربت، أماطَ عن وجهه اللثام، وأرخى عقالهُ وشدد الحزام، فلما تفرستُ وجهه، ونظرتُ ملامحَه، إذا بهِ والله شيخي #حطامة_ابن_الأغبر، فسألته عن أمرهم فقال:
ياعوانة، الإكراهُ مَرّةٌ بالمِرّة، ومَرةٌ بالدِرّة، ثم أنشد يقول:
هذي الوجوهُ الكالحاتُ سَرقنَنا..
ودوائُها التنكيلُ باستحقارِ..
قد لوّصوا في الأرض حتى بدّلوا..
أرضاً للاسثتمارِ باستحمارِ..
ثم لزّ بغلتهُ ومضى..
* الخمائن: نسبةً لدجال فارس، الخميني.
لبديع الزمان
#رسلي_المالكي
___________________________________________
معلومات إضافية
- عودة: العودة الى مقالات رسلي
اترك تعليقا
تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة ، المشار إليها بعلامة النجمة (*). كود HTML غير مسموح به.