وكان بين جسر الشهداءِ وجامع الآصفية، إن التقى عوانة بن الأشعث الكرخي صاحبهُ حطامةابن الأغبر الرصافي، فسلّم عليهِ وحياه، وكان قد مرَّ على لقائهما الأخير سبعة شهورٍ وعشرَ ليال، فسأله: ياحطامة، كيفَ أصبحت؟
فقال: بين نقّاري الدفوف، وطويلي الأيادي والكفوف، مَبليٌ بشقاقي الرؤوس، وضرّابي الكؤوس، لا أعرفُ الرَجُلَ مِنَ الرَجُل، والمرأةَ من المرأة، فغرقتُ بينهمُ كما غرقَت بغدادُ بغربائها، واجتمعتُ بهم كما اجتمع عليها غُرمائُها، فتسلَّمَت أيامَها لأيامها تسليمَ اليدِ لليد، من زيتونيِ الرفاق إلى شذاذ الآفاق، ثم إلى شراذم الدينِ والنفاق، فكأن اللهَ لم يستودع بها قمرا، مذ قادَ العلوجُ في شوارِعِها هَمَرا، فاستُنكِسَت بها الرايات، وضاعت بين اللحايا والمليشيات، حتى ترى الرجُلَ تسأله فيمن قَتَل فلا يدري، وتسأل المقتولَ فيمن قُتِل فلا يدري..
فبكى عوانةَ حتى سمعَ من بالكرخِ نشيجه، ثم قال:
فكيفَ ستُصبح بعد إصباحِكَ هذا؟
فقال حطامة:
يا عوانة، استحلفتُكَ بالشمسِ وضُحاها، والقمرِ إذا تلاها، والنهارِ إذا جلّاها، والليلِ إذا يغشاها، والسماءِ وما بناها، والأرضِ وما طحاها، ونفسٍ وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها..
قال عوانة: إستحلفتني فقُل!
قال حطامة: أهُم أشدُ بأساً إم كسرى صاحبُ فارس؟
قال عوانة: بل كسرى!
قال: أهُم أشدُ أم هولاكو صاحبُ التتر؟
قال: بل هولاكو!
قال: أهُم أشدُ أم مود صاحبُ الإنكليز؟
قال: بل مود!
قال: أهُم أم بريمر صاحبُ الأميركان؟
قال: بل بريمر!
قال: أهُم أم سليماني؟
قال: بل سليماني!
فقال حطامة: ياعوانة، فأينَ أصبحَ أولئكَ وأينَ أصبحت بغداد؟ والذي نفسُ الأغبر وابنه بيده، لتطمرنهم هذه المدينةُ طمرَ جبريلٍ لقومِ عاد، بعبادٍ ذوو بأسٍ شديدٍ يجيسونَ خلالَ الديار..
فتبسمَ عوانةَ حتى بانت نواجذه، ثم قال:
وكانَ وعداً مفعولا..
لبديع الزمان
#رسلي_المالكي
___________________________________________
سلمت يداك يا ابن ابي رسلي...
الله كريم سأتي خبرهم عاجلاً ام آجلاً..
سلمت يداك يابن ابي رسلي
مو غريبة عليك الابداع والسرد الممتع