Print this page

كيف حمت الثورة الإسلامية الإيرانية العراق من خطر بلاد فارس لقرنٍ قادم؟

قيم هذه المقالة
(1 Vote)
Print Friendly, PDF & Email

 

 

طيلة 5000 عام، كانت بلاد فارس العدو الطبيعي لبلاد الرافدين، منذ غزو عيلام لسومر، ومحاولاتها التاريخية العديدة اللاحقة للاستيلاء على وادي النهرين، وصولاً إلى غزو كورش للعراق القديم واحتلاله لبابل، قبل أن تسقط الإمبراطورية الساسانية على يد الفاتحين العرب في واقعة القادسية التاريخية.

نتحدث هنا عن مرحلة ما بعد الفتح الإسلامي، والمحاولات العديدة للفرس للدخول بطريقة مذهبية ناعمة إلى بغداد العباسية بحثاً عن مفاتيح السيطرة النهائية عليها.

بعد الفتح الإسلامي، لم تصحُ بلاد فارس من صدمة أن العرب القبليون، أبناء الصحراء، قد تمكنوا من اسقاط امبراطوريتهم التي احتلت العراق لـ11 قرناً في غضون بضع سنوات من القتال، والذي زاد من صدمتهم أكثر أن الدين الذي جاء به العرب غير قابلٍ للانتزاع، أي أن شعب فارس أصبح يدين بدينٍ جاء به العرب، وبسبب انضباط قواعد الإسلام في السيطرة على الأمم وأسلوبه الأخلاقي العالي، لم يتمكن مفكرو فارس من إيجاد طريقة يقنعون بها شعبهم بالارتداد عن الإسلام وإحياء صورة الإمبراطورية القومية المتطرفة، وهنا، حاول الفرس انتهاج طريق "نغزوهم بالدين الذي غزونا به"، عن طريق إيجاد طريق ثانٍ موازٍ للإسلام عُرفَ اصطلاحاً لاحقاً بـ"التشيع الصفوي. استغل الفرس زيجات بعض نساء الأئمة الفارسيات ليجدوا باباً خلفياً يشركون به أنفسهم في التاريخ الإسلامي عبر الخط الشيعي، وهو الخط الثانوي في الدين الذي يغطي التسنن معظمه في العالم بواقع مليار ونصف المليار مسلم أو يزيد.

بدأ الفرس بالتدخل في شؤون الدولة العباسية بطرقٍ شتى، أهمها وأبرزها الادعاء بمظلومية أهل البيت، لكن فارس لا يهمها في باطن الأمر مظلومية ولا ذكرى ولا أي من هذه القصص والأحداث، بل كان همها تطوير بوابة العودة من الشباك للمنطقة العربية، وبعد سقوط الدولة العباسية في بغداد عام 1258 جاءت القرون الوسطى تحمل آمالاً فارسية جديدة بالعودة إلى عاصمة الخلافة العباسية ومنها للبلاد العربية الأخرى، وهذا ما حدث في عصر الدولة الصفوية، حين استمالت فارس باسم المذهب الشيعي شيعة العراق ليقفوا لجانبها بوجه الاحتلال العثماني، فالعثمانيون كانوا يرون أنفسهم خلفاء العباسيين، أي أنهم حملة راية الدولة الإسلامية التي خرجت من يد العرب إلى يد الترك، بينما كان الفرس يفكرون بطريقة أخرى: راية فارس.

وقعت الحملات الصفوية لاحتلال بغداد وانتزاعها من يد العثمانيين مراراً، حتى جاء السلطان مراد الرابع الذي أنهى وجود الصفويين في العراق ورسم الحدود الشرقية لتركيا والعراق بشكلٍ شبه نهائي (تعد هذه أقدم حدود موثقة في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الصغرى) وكان ذلك في عام 1639، هل سكت الفرس؟ لا، فقد حاولوا إثارة النعرات الطائفية في العراق بشكلٍ مستمر باستخدام التشيع ولنفس الغاية: راية فارس.

بقي الشيعي العراقي خارج الحكم لقرون، فالإسلام السني هو الطاغي بكل المنطقة والعالم، والشيعي يعتبر أقلية في هذا العالم الإسلامي، لذا فهو لم يصل للسلطة بطبيعة الحال، حتى جاءت الحرب العالمية الأولى وانهارت الدولة العثمانية، كانت الدولة الصفوية قد سقطت قبلها بقرنين (عام 1736)، وبدأ تشكل العالم الجديد بمنظور آخر يدعى "الدولة الحديثة"، وهنا، لم تكف فارس عن العراق، بل حاولت بأكثر من مناسبة في خمسينات القرن الماضي التدخل في الشأن العراقي وتهديد العراق بشتى السبل، وفي الستينات، دعم شاه إيران الحركة الكردية الانفصالية في شمال العراق لنفس الغاية: راية فارس، حتى جاءت الثورة الإسلامية عام 1979، وهنا هو حديثنا.

بنفس الطريقة القديمة التي ذكرناها، حاول خميني تأليب شيعة العراق على حكومتهم، حتى وصل الأمر للصِدام الشامل والواسع: حرب القادسية 1980- 1988، والتي انتهت بتحطيم حلم خميني وانهيار طموحاته بغزو العراق، لكن فكرة فارس بقيت مستمرة: نستخدم التشيع لغزو العراق والعرب، لكن صرامة النظام العراقي السابق منع هذا الحلم من أن يحدث حتى سقوطه عام 2003، وهنا جاءت الفرصة الكبرى لفارس والثورة الإسلامية الحاكمة: احتلال العراق أخيراً.

شعر كل العراقيين بأن إيران انتهكت بلادهم بشكلٍ نهائيٍ أبدي، وكان هذا شعوراً له مبرراته الحقيقية، لكن الأمر لم يسر على هذا النحو، فالحاضنة الإيرانية للتشيع اليوم أصبحت هي ذاتها في خطر الانهيار، الشعب الإيراني نفسه عانى من أي شيءٍ يمت للتشيع وعمائم الثورة الإسلامية بصلة، إنه الآن شعبٌ يريد الانتقام من أي شعارٍ شيعي الآن، وهذا يعني نهاية كون إيران حاضنة للتشيع التاريخي..

أي: أنه بمجرد سقوط النظام الإيراني في طهران، فإن الإيرانيين أنفسهم سيسحقون الوجود الفكري للتشيع في البلاد، وهذا يعني أن انهيار الفكر الشيعي على يد الإيرانيين أنفسهم بعد خمسة عقود من الاضطهاد والفقر والإجرام الخميني الخامنئي لن يجعل إيران قادرة مستقبلاً على استخدام ورقة التشيع للدخول للعراق مجدداً، فهي لم تعد بلاداً يزدهر بها التشيع، بل أنها ستعامل الفكر الشيعي كما يعامَل الفكر البعثي في العراق حالياً، سيُضطهد هذا الفكر الذي شكّل الورقة الرابحة للدخول للعراق لأكثر من خمسة قرون، وسينعدم ويصبح سبةً وتهمة، وهنا، لن يبقى لإيران سلاح التشيع، بعد أن دمره الإيرانيون بأنفسهم.

أما في العراق، فإن انهيار النظام الإيراني سيقسم المجتمع الشيعي العراقي إلى قسمين، الأول: شيعة العراق العرب الرافضين للهيمنة الإيرانية وهم الأغلب، والثاني: شيعة إيران، وهنا سيضطهد شيعة العراق شيعة إيران، وستتحول كلمة "ولائي" إلى سبةٍ وشتيمة، ولن تقوم للتشيع الفارسي قائمة في العراق بعد هذا، بل حتى التشيع العربي، سيكون مندمجاً ببلاده كشعبٍ عراقي لا كطائفة، فالطائفية الدينية جاءت بها إيران الشيعية، وستذهب معها إلى الأبد.

لقد كانت العشرين سمة الماضية لقاحاً مناعياً للعراق، فاللقاح مؤلم في البداية، ويثير الاحترار والحمى، لكنه يمنح الجسم مناعةً ذاتية تجاه نوعية الفايروس نفسها، سيتسلح العراق بمناعة من فارس المستقبلية، فارس التي لم تعد قادرة على إنتاج تشيع جديد، التي سترفض بنفسها وجود الفكر الشيعي المتطرف على أراضيها، لذا، وفي حال حاولت السيطرة على العراق باستخدام الأوراق الأخرى فإن المناعة التي منحتها هذه الفترة للعراقيين ستكون جداراً نارياً بوجهها، أو ان فارس ستضطر للذهاب لمواجهةٍ شاملةٍ أخرى مستقبلاً للعودة للعراق: كقادسية ثالثة مثلا، وهذا صعب للغاية وليس من مصلحة أحد.

إذن: الثورة الإسلامية أتلفت ورقةً عمرها 5 قرون كانت تحاول فارس بها السيطرة على العراق، دمرت بنفسها سلاحها الناعم التاريخي، ولن تبق له حاضنة في إيران نفسها، وكل ذلك من بركات: الثورة الإسلامية الخمينية.

 

#رسلي_المالكي

___________________________________________

القراءات 342 مرة